فصل: الاغتسال من الاستمناء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


استمناءٌ

التعريف

1 - الاستمناء‏:‏ مصدر استمنى، أي طلب خروج المنيّ‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ إخراج المنيّ بغير جماعٍ، محرّماً كان، كإخراجه بيده استدعاءً للشّهوة، أو غير محرّمٍ كإخراجه بيد زوجته‏.‏

2 - وهو أخصّ من الإمناء والإنزال، فقد يحصلان في غير اليقظة ودون طلبٍ، أمّا الاستمناء فلا بدّ فيه من استدعاء المنيّ في يقظة المستمني بوسيلةٍ ما‏.‏ ويكون الاستمناء من الرّجل ومن المرأة‏.‏ ويقع الاستمناء ولو مع وجود الحائل‏.‏ جاء في ابن عابدين‏:‏ لو استمنى بكفّه بحائلٍ يمنع الحرارة يأثم أيضاً‏.‏

وفي الشّروانيّ على التّحفة‏:‏ إن قصد بضمّ امرأةٍ الإنزال - ولو مع الحائل - يكون استمناءً مبطلاً للصّوم‏.‏ بل صرّح الشّافعيّة والمالكيّة بأنّ الاستمناء يحصل بالنّظر‏.‏ ولمّا كان الإنزال بالاستمناء يختلف أحياناً عن الإنزال بغيره كالجماع والاحتلام أفرد بالبحث‏.‏

وسائل الاستمناء

3 - يكون الاستمناء باليد، أو غيرها من أنواع المباشرة، أو بالنّظر، أو بالفكر‏.‏ الاستمناء باليد‏:‏

4 - أ - الاستمناء باليد إن كان لمجرّد استدعاء الشّهوة فهو حرامٌ في الجملة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين هم لفروجهم حافظون، إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون‏}‏‏.‏ والعادون هم الظّالمون المتجاوزون، فلم يبح اللّه سبحانه وتعالى الاستمتاع إلاّ بالزّوجة والأمة، ويحرم بغير ذلك‏.‏

وفي قولٍ للحنفيّة، والشّافعيّة، والإمام أحمد‏:‏ أنّه مكروهٌ تنزيهاً‏.‏

ب - وإن كان الاستمناء باليد لتسكين الشّهوة المفرطة الغالبة الّتي يخشى معها الزّنى فهو جائزٌ في الجملة، بل قيل بوجوبه، لأنّ فعله حينئذٍ يكون من قبيل المحظور الّذي تبيحه الضّرورة، ومن قبيل ارتكاب أخفّ الضّررين‏.‏ وفي قولٍ آخر للإمام أحمد‏:‏ أنّه يحرم ولو خاف الزّنى، لأنّ له في الصّوم بديلاً، وكذلك الاحتلام مزيلٌ للشّبق‏.‏ وعبارات المالكيّة تفيد الاتّجاهين‏:‏ الجواز للضّرورة، والحرمة لوجود البديل، وهو الصّوم‏.‏

ج - وصرّح ابن عابدين من الحنفيّة بأنّه لو تعيّن الخلاص من الزّنى به وجب‏.‏

الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج

5 - الاستمناء بالمباشرة فيما دون الفرج يشمل كلّ استمتاعٍ - غير النّظر والفكر - من وطءٍ في غير الفرج، أو تبطينٍ، أو تفخيذٍ، أو لمسٍ، أو تقبيلٍ‏.‏ ولا يختلف أثر الاستمناء بهذه الأشياء في العبادة عن أثرها في الاستمناء باليد عند المالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة‏.‏ ويبطل به الصّوم عند الحنفيّة، دون كفّارةٍ‏.‏ ولا يختلف أثره في الحجّ عن أثر الاستمناء باليد فيه‏.‏

الاغتسال من الاستمناء

6 - اتّفق الفقهاء على أنّ الغسل يجب بالاستمناء، إذا خرج المنيّ عن لذّةٍ ودفقٍ، ولا عبرة باللّذّة والدّفق عند الشّافعيّة، وهو روايةٌ عن أحمد وللمالكيّة قولٌ بذلك لكنّه خلاف المشهور‏.‏ واشترط الحنفيّة لترتّب الأثر على المنيّ أن يخرج بلذّةٍ ودفقٍ، وهو مشهور المالكيّة، فلا يجب فيه شيءٌ ما لم تكن لذّةٌ، والمذهب عند أحمد على هذا، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثيرٌ منهم‏.‏ أمّا إن أحسّ بانتقال المنيّ من صلبه فأمسك ذكره، فلم يخرج منه شيءٌ في الحال، ولا علم خروجه بعد ذلك فلا غسل عليه عند كافّة العلماء،«لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّق الاغتسال على الرّؤية»‏.‏ والرّواية المشهورة عن الإمام أحمد بن حنبلٍ أنّه يجب الغسل، لأنّه لا يتصوّر رجوع المنيّ، ولأنّ الجنابة في حقيقتها هي‏:‏ انتقال المنيّ عن محلّه وقد وجد‏.‏ وأيضاً فإنّ الغسل يراعى فيه الشّهوة، وقد حصلت بانتقاله فأشبه ما لو ظهر‏.‏ فإن سكنت الشّهوة ثمّ أنزل بعد ذلك، فإنّه يجب عليه الغسل عند أبي حنيفة ومحمّدٍ، والشّافعيّة والحنابلة، وأصبغ وابن الموّاز من المالكيّة‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا يغتسل، ولكن ينتقض وضوءه، وهو قول القاسم من المالكيّة‏.‏ ولتفصيل ما يتعلّق بذلك انظر مصطلح ‏(‏غسلٌ‏)‏‏.‏

اغتسال المرأة من الاستمناء

7 - يجب الغسل على المرأة إن أنزلت بالاستمناء بأيّ وسيلةٍ حصل‏.‏ والمراد بالإنزال أن يصل إلى المحلّ الّذي تغسله في الاستنجاء، وهو ما يظهر عند جلوسها وقت قضاء الحاجة‏.‏ وهذا هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة، وبهذا قال الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة عدا ‏(‏سندٍ‏)‏، فقد قال‏:‏ إنّ بروز المنيّ من المرأة ليس شرطاً، بل مجرّد الانفصال عن محلّه يوجب الغسل، لأنّ عادة منيّ المرأة أن ينعكس إلى الرّحم‏.‏

أثر الاستمناء في الصّوم

8 - الاستمناء باليد يبطل الصّوم عند المالكيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، وعامّة الحنفيّة على ذلك، لأنّ الإيلاج من غير إنزالٍ مفطرٌ، فالإنزال بشهوةٍ أولى‏.‏ وقال أبو بكر بن الإسكاف، وأبو القاسم من الحنفيّة‏:‏ لا يبطل به الصّوم، لعدم الجماع صورةً ومعنًى‏.‏ ولا كفّارة فيه مع الإبطال عند الحنفيّة والشّافعيّة، وهو مقابل المعتمد عند المالكيّة، وأحد قولي الحنابلة، لأنّه إفطارٌ من غير جماعٍ، ولأنّه لا نصّ في وجوب الكفّارة فيه ولا إجماع‏.‏ ومعتمد المالكيّة على وجوب الكفّارة مع القضاء، وهو روايةٌ عن أحمد، وعموم رواية الرّافعيّ من الشّافعيّة، والّتي حكاها عن أبي خلفٍ الطّبريّ يفيد ذلك، فمقتضاها وجوب الكفّارة بكلّ ما يأثم بالإفطار به، والدّليل على وجوب الكفّارة‏:‏ أنّه تسبّبٌ في إنزالٍ فأشبه الإنزال بالجماع‏.‏

9 - أمّا الاستمناء بالنّظر فإنّه يبطل الصّوم عند المالكيّة، تكرّر النّظر أم لا، وسواءٌ أكانت عادته الإنزال أم لا، والحنابلة معهم في الإبطال إن تكرّر النّظر‏.‏ والاستمناء بالتّكرار مبطلٌ للصّوم في قولٍ للشّافعيّة أيضاً، وقيل‏.‏ إن كانت عادته الإنزال أفطر، وفي ‏"‏ القوت ‏"‏ أنّه إذا أحسّ بانتقال المنيّ فاستدام النّظر فإنّه يفسد‏.‏ وقال الحنفيّة لا يفطر به الصّائم مطلقاً، وهو المعتمد للشّافعيّة، ولا كفّارة فيه إلاّ عند المالكيّة، لكنّهم اختلفوا في الحالات الّتي تجب فيها الكفّارة‏.‏ إن تكرّر النّظر وكانت عادته الإنزال أو استوت حالتاه وجبت عليه الكفّارة قطعاً‏.‏ وإن كانت عادته عدم الإنزال فقولان‏.‏ أمّا مجرّد النّظر من غير استدامةٍ فظاهر كلام ابن القاسم في المدوّنة أنّه لا كفّارة‏.‏ وقال القابسيّ‏:‏ كفّر إن أمنى من نظرةٍ واحدةٍ‏.‏

10 - وأمّا الاستمناء بالتّفكير فلا يختلف حكمه عن حكم الاستمناء بالنّظر، من حيث الإبطال والكفّارة وعدمهما عند الحنفيّة، والمالكيّة، والشّافعيّة‏.‏ أمّا الحنابلة، عدا أبي حفصٍ البرمكيّ، فقالوا بعدم الإفساد بالإنزال بالتّفكير، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «عفي لأمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم به»‏.‏ وقال أبو حفصٍ البرمكيّ بالإبطال، واختاره ابن عقيلٍ، لأنّ الفكرة تستحضر وتدخل تحت الاختيار، ومدح اللّه سبحانه الّذين يتفكّرون في خلق السّموات والأرض،«ونهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن التّفكّر في ذات اللّه، وأمر بالتّفكّر في الآلاء»‏.‏ ولو كانت غير مقدورٍ عليها لم يتعلّق ذلك بها‏.‏

أثر الاستمناء في الاعتكاف

11 - يبطل الاعتكاف بالاستمناء باليد عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة، إلاّ أنّ من الشّافعيّة من ذكره قولاً واحداً، ومنهم من استظهر البطلان‏.‏ ولتفصيل ذلك انظر ‏(‏اعتكافٌ‏)‏‏.‏ أمّا الاستمناء بالنّظر والتّفكير فلا يبطل به الاعتكاف عند الحنفيّة والشّافعيّة، ويبطل به عند المالكيّة، وكذلك الحنابلة، إذ يفهم من كلامهم بطلان الاعتكاف، لفقدان شرط الطّهارة ممّا يوجب الغسل‏.‏

أثر الاستمناء في الحجّ والعمرة

12 - لا يفسد الحجّ بالاستمناء باليد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، لكن يجب فيه دمٌ، لأنّه كالمباشرة فيما دون الفرج في التّحريم والتّعزير، فكان بمنزلتها في الجزاء‏.‏ ويفسد الحجّ به عند المالكيّة، وأوجبوا فيه القضاء والهدي ولو كان ناسياً، لأنّه أنزل بفعلٍ محظورٍ‏.‏ ولبيان نوع الدّم ووقته انظر ‏(‏إحرامٌ‏)‏‏.‏ والعمرة في ذلك كالحجّ عند الحنفيّة، والشّافعيّة والحنابلة، وهو ما يفهم من عموم كلام الباجيّ من المالكيّة، لكنّ ظاهر كلام بهرامٌ وغيره أنّ ما يوجب الفساد في الحجّ في بعض الأحوال من وطءٍ وإنزالٍ يوجب الهدي في العمرة، لأنّ أمرها أخفّ من حيث إنّها ليست فرضاً‏.‏

13 - أمّا الاستمناء بالنّظر والفكر فإنّه يفسد الحجّ عند المالكيّة، باستدعاء المنيّ بنظرٍ أو فكرٍ مستدامين، فإن خرج بمجرّد الفكر أو النّظر لم يفسد وعليه هديٌ وجوباً، وسواءٌ أكان عمداً أم جهلاً أم نسياناً‏.‏ ولا يفسد به الحجّ عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، ولا فدية فيه عند الحنفيّة والشّافعيّة، وعند الحنابلة تجب الفدية في النّظر، وأمّا التّفكير فانفرد بالفدية فيه منهم أبو حفصٍ البرمكيّ‏.‏

الاستمناء عن طريق الزّوجة

14 - أغلب الفقهاء على جواز الاستمناء بالزّوجة ما لم يوجد مانعٌ، لأنّها محلّ استمتاعه، كما لو أنزل بتفخيذٍ أو تبطينٍ، ولبيان المانع انظر ‏(‏حيضٌ، نفاسٌ، صومٌ، اعتكافٌ، حجٌّ‏)‏‏.‏ وقال بكراهته بعض الحنفيّة والشّافعيّة، نقل صاحب الدّرّ عن الجوهرة‏:‏ ولو مكّن امرأته من العبث بذكره فأنزل كره ولا شيء عليه، غير أنّ ابن عابدين حملها على الكراهة التّنزيهيّة‏.‏ وفي نهاية الزّين‏:‏ وفي فتاوى القاضي‏:‏ لو غمرت المرأة ذكر زوجها بيدها كره وإن كان بإذنه إذا أمنى، لأنّه يشبه العزل، والعزل مكروهٌ‏.‏

عقوبة الاستمناء

15 - الاستمناء المحرّم يعزّر فاعله باتّفاقٍ، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين هم لفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنّهم غير ملومين‏}‏‏.‏

استمهالٌ

التعريف

1 - الاستمهال في اللّغة‏.‏ طلب المهلة‏.‏ والمهلة التّؤدة والتّأخير‏.‏

والفقهاء يستعملون ‏"‏ الاستمهال‏.‏ بهذا المعنى الّذي استعمله به أهل اللّغة‏.‏

حكم الاستمهال

2 - الاستمهال قد يكون مشروعاً، وقد يكون غير مشروعٍ‏:‏

أ - الاستمهال المشروع، وهو على أنواعٍ‏:‏

النّوع الأوّل‏:‏ الاستمهال لإثبات حقٍّ، كاستمهال المدّعي القاضي لإحضار البيّنة، أو مراجعة الحساب، ونحو ذلك، وقد فصّل الفقهاء ذلك في كتاب الدّعوى‏.‏

النّوع الثّاني‏:‏ الاستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود، كاشتراط أحد المتبايعين ترك مهلةٍ له للتّروّي، كما هو الحال في خيار الشّرط، واشتراط المشتري إمهال البائع له بدفع الثّمن إلى أجلٍ معلومٍ‏.‏ وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب البيع‏.‏

النّوع الثّالث‏:‏ الاستمهال الّذي هو من قبيل التّبرّع، كاستمهال المدين الدّائن في وفاء الدّين‏.‏ واستمهال المستعير المعير في ردّ ما استعاره منه، وقد ذكر الفقهاء ذلك في أبوابه من كتب الفقه‏.‏

ب - الاستمهال غير المشروع‏:‏

ومنه الاستمهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة، أو المجلس، كاستمهال أحد المتعاقدين الآخر في تسليم البدل في بيع الصّرف، واستمهال المشتري البائع في تسليمه رأس مال السّلم، كما هو مذكورٌ في بيع السّلم‏.‏

3 - ومن الاستمهال ما يسقط الحقّ، كاستمهال الشّفيع المشتري لطلب الشّفعة، كما هو مذكورٌ في باب الشّفعة من كتب الفقه، وكاستمهال الزّوجة الصّغيرة - إذا بلغت - في الإفصاح عن اختيارها زوجها أو فراقه، كما هو مذكورٌ في خيار البلوغ عند الحنفيّة‏.‏

مدّة المهلة الّتي تعطى في الاستمهال

4 - مدّة المهلة إمّا محدّدةٌ من قبل الشّرع فتلتزم، كإمهال العنّين سنةً، كما روي ذلك عن عمر وعليٍّ‏.‏ وابن مسعودٍ‏.‏ وإمّا متروكةٌ للقضاء، كمهلة المدّعي لإحضار البيّنة، وإمهال الزّوجة لتسليم نفسها لزوجها بعد قبضها المهر بقدر ما تنظّف نفسها وتتهيّأ له‏.‏ وإمّا اتّفاقيّةٌ بين الطّرفين، كإمهال الدّائن للمدين في وفاء الدّين، انظر مصطلح ‏(‏أجلٌ‏)‏‏.‏

حكم إجابة المستمهل

5 - أ - يجب الإمهال في حالات الاستمهال لإثبات حقٍّ، والاستمهال الّذي هو من قبيل المطالبة بحقٍّ، والاستمهال الوارد مورد الشّرط في العقود‏.‏

ب - يندب الإمهال عندما يكون الإمهال من قبيل التّبرّع‏.‏

ج - يحرم الإمهال في الحقوق الّتي اشترط فيها الشّارع الفوريّة أو المجلس، لأنّ الإمهال فيها يؤدّي إلى إبطالها‏.‏ كما ذكر ذلك الفقهاء في الأبواب الّتي أشرنا إليها عند ذكر هذه الحالات‏.‏

د - يبطل الحقّ في مثل الحالات الّتي أشرنا إليها في ‏(‏ف 3‏)‏‏.‏

استنابةٌ

انظر‏:‏ إنابةٌ‏.‏

استنادٌ

التعريف

1 - الاستناد لغةً‏:‏ مصدر استند‏.‏ وأصله سند‏.‏ يقال‏:‏ سندت إلى الشّيء، وأسندت إليه واستندت إليه‏:‏ إذا ملت إليه واعتمدت عليه‏.‏ والمسند‏:‏ ما استندت إليه من المتاع، واستند إلى فلانٍ‏:‏ لجأ إليه في طلب العون‏.‏

وللاستناد في الاصطلاح معانٍ ثلاثةٌ‏:‏

الأوّل‏:‏ الاستناد الحسّيّ، وهو أن يميل الإنسان على الشّيء معتمداً عليه، والاستناد بهذا المعنى طبق المعنى اللّغويّ‏.‏

الثّاني‏:‏ الاستناد إلى الشّيء بمعنى الاحتجاج به‏.‏

الثّالث‏:‏ الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ، وهو بالمعنى الثّاني والثّالث يعتبر استناداً معنويّاً‏.‏

المبحث الأوّل‏:‏ الاستناد الحسّيّ‏:‏

2 - الاستناد إلى الشّيء بهذا المعنى هو الميل على الشّيء مع الاعتماد عليه‏.‏ وممّا له صلةٌ بالاستناد‏:‏ الاتّكاء‏.‏ وقد ذكر أبو البقاء أنّ الاستناد على الشّيء الاتّكاء عليه بالظّهر خاصّةً، قال‏:‏ الاتّكاء أعمّ من الاستناد، وهو - يعني الاتّكاء - الاعتماد على الشّيء بأيّ شيءٍ كان، وبأيّ جانبٍ كان‏.‏ والاستناد‏:‏ اتّكاءٌ بالظّهر لا غير‏.‏ ولم نطّلع على هذا التّقييد في شيءٍ من كتب اللّغة‏.‏

أوّلاً‏:‏ أحكام الاستناد في الصّلاة‏:‏

أ - الاستناد في الصّلاة المفروضة‏:‏

3 - الاستناد إلى عمادٍ - كحائطٍ أو ساريةٍ - في صلاة الفريضة للقادر على القيام مستقلاًّ دون اعتمادٍ‏.‏ للفقهاء فيه اتّجاهاتٌ ثلاثةٌ‏:‏

الاتّجاه الأوّل‏:‏ يرى الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة منعه، وهو قولٌ للشّافعيّة‏.‏ قالوا‏:‏ من اعتمد على عصاً أو حائطٍ ونحوه بحيث يسقط لو زال العماد، لم تصحّ صلاته، قالوا‏:‏ لأنّ الفريضة من أركانها القيام، ومن استند على الشّيء بحيث لو زال من تحته سقط، لا يعتبر قائماً‏.‏ أمّا إن كان لا يسقط لو زال ما استند إليه، فهو عندهم مكروهٌ، صرّح به الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة‏.‏ قال الحلبيّ في شرح المنية‏:‏ يكره اتّفاقاً - أي بين أئمّة الحنفيّة - لما فيه من إساءة الأدب وإظهار التّجبّر‏.‏ وعلّل ابن أبي تغلب - من الحنابلة - للكراهة بكون الاستناد يزيل مشقّة القيام‏.‏

والاتّجاه الثّاني‏:‏ قول الشّافعيّة المقدّم لديهم أنّ صلاة المستند تصحّ مع الكراهة، قالوا‏:‏ لأنّه يسمّى قائماً ولو كان بحيث لو أزيل ما اعتمد عليه لسقط‏.‏

والاتّجاه الثّالث‏:‏ أنّ استناد القائم في صلاة الفرض جائزٌ‏.‏ روي ذلك عن أبي سعيدٍ الخدريّ وأبي ذرٍّ رضي الله عنهما وجماعةٍ من الصّحابة والسّلف‏.‏ ثمّ إنّ الصّلاة المفروضة - الّتي هذا حكم الاستناد فيها - تشمل الفرض العينيّ والكفائيّ، كصلاة الجنازة، وصلاة العيد عند من أوجبها‏.‏ وتشمل الواجب بالنّذر على من نذر القيام فيه على ما صرّح به الدّسوقيّ، وألحق به الحنفيّة سنّة الفجر على قولٍ لتأكّدها‏.‏

ب - الاستناد في الفرض في حال الضّرورة‏:‏

4 - يتّفق الفقهاء على أنّه إذا وجدت الضّرورة، بحيث لا يستطيع المصلّي أن يصلّي قائماً إلاّ بالاستناد، أنّ الاستناد جائزٌ له‏.‏ ولكن هل يسقط عنه فرض القيام فيجوز له الصّلاة جالساً مع التّمكّن من القيام بالاستناد‏؟‏ للفقهاء في هذه المسألة اتّجاهان‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّ القيام واجبٌ حينئذٍ ولا تصحّ صلاته جالساً‏.‏ وهو مذهب الحنفيّة على الصّحيح عندهم، ومذهب الحنابلة، وقولٌ مرجوحٌ عند المالكيّة، ذهب إليه ابن شاسٍ وابن الحاجب‏.‏ قال شارح المنية من الحنفيّة‏:‏ لو قدر على القيام متوكّئاً على عصاً أو خادمٍ‏.‏ قال الحلوانيّ‏:‏ الصّحيح أنّه يلزمه القيام متّكئاً‏.‏

الثّاني‏:‏ وهو المقدّم عند المالكيّة، ومقابل الصّحيح عند الحنفيّة، ومقتضى مذهب الشّافعيّة - كما تقدّم - أنّ فرض القيام ساقطٌ عنه حينئذٍ، وتجوز صلاته جالساً‏.‏ قال الحطّاب نقلاً عن ابن رشدٍ‏:‏ لأنّه لمّا سقط عنه القيام، وجاز له أن يصلّي جالساً، صار قيامه نافلةً، فجاز أن يعتمد فيه كما يعتمد في النّافلة، والقيام مع الاعتماد أفضل‏.‏ واشترط المالكيّة لجواز الصّلاة مع الاعتماد أن يكون استناده لغير حائضٍ أو جنبٍ، فإن صلّى مستنداً إلى واحدٍ منهما أعاد في الوقت، أي الوقت الضّروريّ لا الاختياريّ‏.‏

ج - الاستناد في الصّلاة أثناء الجلوس‏:‏

5 - الحكم في الاستناد في الجلوس كالحكم في الاستناد في القيام تماماً، على ما صرّح به الحنفيّة‏:‏ فإذا لم يقدر على القعود مستوياً، وقدر متّكئاً، يجب أن يصلّي متّكئاً أو مستنداً أمّا المالكيّة فقد قال الدّردير ما معناه‏:‏ المعتمد أنّ القيام مستنداً أولى من الجلوس مستقلاًّ‏.‏ أمّا الجلوس مستقلاًّ فواجبٌ لا يعدل عنه إلى الجلوس مستنداً إلاّ عند العجز‏.‏ وكذا لا يصار إلى الجلوس مستنداً ممّن قدر على القيام بالاستناد‏.‏ ومثل ذلك الجلوس مستنداً، فهو مقدّمٌ وجوباً على الصّلاة مضطجعاً، ولم نجد للشّافعيّة والحنابلة ذكراً لهذه المسألة‏.‏

د - الاستناد في النّفل‏:‏

6 - قال النّوويّ‏:‏ الاتّكاء في صلاة النّفل جائزٌ على العصيّ ونحوها باتّفاق العلماء إلاّ ابن سيرين فقد نقلت عنه كراهته‏.‏ وقال مجاهدٌ‏:‏ ينقص من أجره بقدره‏.‏ وقد فصّل الحنفيّة فقالوا‏:‏ أنّه مكروهٌ في التّطوّع كما هو مكروهٌ في الفرض‏.‏ لكن لو افتتح التّطوّع قائماً ثمّ أعيا - أي كلّ وتعب - فلا بأس عليه أن يتوكّأ على عصاً أو حائطٍ أو نحو ذلك‏.‏ وإنّما فرّق الجمهور بين الاستناد في الفرض فمنعوه، وأجازوه في النّفل، لأنّ النّفل تجوز صلاته من جلوس دون قيامٍ، فكذا يجوز الاستناد فيه مع القيام‏.‏

الاستناد في غير الصّلاة

أ - استناد النّائم المتوضّئ‏:‏

7 - ذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية، والشّافعيّة، وهو روايةٌ للحنابلة إلى أنّه إذا نام مستنداً إلى شيءٍ - بحيث لو زال لسقط - لا ينتقض وضوء المستند في الأصحّ، وعليه عامّة المشايخ، وهذا إذا لم تكن مقعدته زائلةً عن الأرض وإلاّ نقض اتّفاقاً‏.‏ وذهب المالكيّة، وهو غير ظاهر الرّواية عند الحنفيّة إلى أنّه ينقض الوضوء، لأنّه يعتبر من النّوم الثّقيل، فإن كان لا يسقط فهو من النّوم الخفيف الّذي لا ينقض‏.‏ والمذهب عند الحنابلة أنّ نوم المستند قليلاً كان أو كثيراً ينقض‏.‏

ب - الاستناد إلى القبور‏:‏

8 - يكره الاستناد إلى القبور عند جمهور الفقهاء، صرّح بذلك الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وقد ألحقوا الاستناد بالجلوس الّذي وردت الأحاديث بالنّهي عنه‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ يكره الجلوس على القبر، والاتّكاء عليه، والاستناد إليه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ «لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ»‏.‏ وقال الخطّابيّ‏:‏ روي «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد اتّكأ على قبرٍ فقال‏:‏ لا تؤذ صاحب القبر»‏.‏

وقد قيّد الشّافعيّة الكرامة بعدم الحاجة إلى الاستناد، وبكون الاستناد إلى قبر مسلمٍ‏.‏ وقواعد غيرهم لا تأبى هذا التّقييد‏.‏ وأمّا المالكيّة فيرون أنّه لا كراهة في الجلوس على القبر، ومن باب أولى الاستناد إليه‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ يجوز الجلوس على القبر مطلقاً‏.‏ وأمّا ما ورد من حرمة الجلوس على القبر فهو محمولٌ على الجلوس لقضاء الحاجة‏.‏

المبحث الثّاني‏:‏ الاستناد بمعنى الاحتجاج

9 - يأتي الاستناد بمعنى الاحتجاج بما يقوّي القضيّة المدّعاة، ويكون إمّا في مقام المناظرة والاستدلال والاجتهاد، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى أبواب الأدلّة، وباب الاجتهاد من علم الأصول‏.‏ وإمّا في دعوى أمام القضاء، فيرجع لمعرفة أحكامه إلى مصطلح ‏(‏إثباتٌ‏)‏‏.‏

المبحث الثّالث‏:‏ الاستناد بمعنى ثبوت الحكم بأثرٍ رجعيٍّ

10 - الاستناد بهذا المعنى‏:‏ هو أن يثبت الحكم في الحال لتحقّق علّته، ثمّ يعود الحكم القهقريّ ليثبت في الماضي تبعاً لثبوته في الحاضر‏.‏ ومن أمثلته‏:‏ أنّ المغصوب إذا تلف تحت يد الغاصب بفعله أو بغير فعله يضمنه بمثله أو بقيمته، فإذا ضمنه ملكه ملكاً مستنداً إلى وقت وجود سبب الضّمان، حتّى أنّه يملك زوائده المتّصلة الّتي وجدت من حين الغصب إلى حين الضّمان، لأنّها نماء ملكه‏.‏

ومن أمثلته أيضاً أنّ البيع الموقوف نفاذه على إجازة من له حقّ الإجازة - كبيع الصّبيّ المميّز يقف نفاذه على إجازة وليّه - إذا أجازه نفذ نفاذاً مستنداً إلى وقت وجود العقد، حتّى يملك المشتري زوائده المتّصلة والمنفصلة‏.‏ واستعمال لفظ الاستناد بهذا المعنى هو مصطلحٌ للحنفيّة خاصّةً‏.‏ والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة يستعملون بدلاً منه اصطلاح ‏"‏ التّبيّن ‏"‏، والمالكيّة يعبّرون أيضاً عن ذلك المعنى ‏"‏ بالانعطاف ‏"‏‏.‏ ومعنى الاستناد في الإجازة مثلاً أنّ العقد الموقوف إذا أجيز يكون للإجازة استنادٌ وانعطافٌ، أي تأثيرٌ رجعيٌّ، فبعد الإجازة يستفيد العاقد من ثمرات العقد منذ انعقاده، لأنّ الإجازة لم تنشئ العقد إنشاءً بل أنفذته إنفاذاً، أي فتحت الطّريق لآثاره الممنوعة المتوقّفة لكي تمرّ وتسري، فتلحق تلك الآثار بالعقد المولّد لها اعتباراً من تاريخ انعقاده، لا من تاريخ الإجازة فقط‏.‏ فبعد الإجازة يعتبر الفضوليّ كوكيلٍ عن صاحب العقد قبل العقد، وبما أنّ تصرّفات الوكيل نافذةٌ على الموكّل منذ صدورها، يكون عقد الفضوليّ نافذاً على المجيز نفاذاً مستنداً إلى تاريخ العقد‏.‏

هذا، ومن أجل أنّ هذا الاصطلاح خاصٌّ بالحنفيّة فسيكون كلامنا في هذا المبحث معبّراً عن مذهب الحنفيّة خاصّةً، إلاّ في المواضع الّتي ينصّ فيها على غيرهم‏.‏

11 - وقد ذكر ابن نجيمٍ أنّ الأحكام تثبت بطرقٍ أربعٍ، فذكر مع الاستناد الّذي سبق بيانه‏:‏

أ - الاقتصار‏:‏ وهو الأصل‏.‏ كما إذا أنشأ طلاقاً منجّزاً غير معلّقٍ، فإنّ الطّلاق يقع عند هذا القول في الحال، فيقتصر عليه ولا يكون له أثرٌ رجعيٌّ‏.‏

ب - والانقلاب‏:‏ هو أن يثبت الحكم في وقتٍ لاحقٍ متأخّرٍ عن القول، كما لو قال لزوجته‏:‏ أنت طالقٌ إن دخلت الدّار، لا يثبت به الطّلاق في الحال، لكن إن دخلتها طلقت بدخولها‏.‏ ووجه تسميته انقلاباً‏:‏ أنّ ما ليس بعلّةٍ - وهو الصّيغة المعلّقة - انقلب علّةً بوجود الدّخول، إذ أنّ قوله‏:‏ أنت طالقٌ ليس بعلّةٍ للطّلاق قبل دخولها البيت، ومتى دخلت انقلب فأصبح علّةً، لأنّ ذلك القائل جعل للعلّيّة شرطاً وقد تحقّق‏.‏

ج - والتّبيّن أو الظّهور‏:‏ وهو أن يظهر في الحال أنّ الحكم كان ثابتاً من قبل، كما لو قال يوم الجمعة‏:‏ إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ، ثمّ يتبيّن يوم السّبت أنّ زيداً كان في الدّار يوم الجمعة، فإنّ الطّلاق يقع يوم الجمعة عند قوله ذاك، وإن لم يتبيّن أنّه وقع يوم الجمعة إلاّ في يوم السّبت‏.‏ والعدّة تبتدئ يوم الجمعة‏.‏

التّفريق بين الاستناد والتّبيّن

12 - في حالة الاستناد لم يكن الحكم ثابتاً في نفس الأمر في الماضي، ثمّ لمّا ثبت في الحاضر رجع ثبوته القهقريّ فانسحب على المدّة السّابقة، أمّا في التّبيّن فقد كان الحكم ثابتاً في نفس الأمر ولكن تأخّر العلم به، ومن هنا ظهر بين الأمرين الفروق التّالية‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّ حالة التّبيّن يمكن أن يطّلع العباد فيها على الحكم‏.‏ وفي الاستناد لا يمكن‏.‏ ففي المثال السّابق للتّبيّن وهو قوله‏:‏ إن كان زيدٌ في الدّار فأنت طالقٌ ثمّ علم كونه في الدّار بعد مدّةٍ، فإنّ العلم بكونه في الدّار ممّا يدخل في طوق العباد، بخلاف العلم بإجازة الوليّ لبيع الصّبيّ، فإنّه لا يمكن العلم بإجازته قبل أن يجيز‏.‏

الثّاني‏:‏ أنّ حالة التّبيّن لا يشترط فيها قيام المحلّ عند حصول تبيّن الحكم، ولا استمرار وجوده إلى حين التّبيّن‏.‏ فلو قال لزوجته‏:‏ أنت طالقٌ إن كان زيدٌ في الدّار، فحاضت ثلاث حيضٍ ثمّ طلّقها ثلاثاً، ثمّ ظهر أنّ زيداً كان في الدّار في ذلك الوقت، لا تقع الثّلاث، لأنّه تبيّن وقوع الأوّل، وأنّ إيقاع الثّلاث كان بعد انقضاء العدّة‏.‏ أمّا في حالة الاستناد فلا بدّ من قيام المحلّ حال ثبوت الحكم، وعدم انقطاع وجوده من وقت ثبوت الحكم، عوداً إلى الوقت الّذي استند إليه، كما في الزّكاة تجب بتمام الحول، ويستند وجوبها إلى وقت وجود النّصاب، فلو كان عند تمّام الحول مفقوداً، أو انقطع أثناءه لم يثبت الوجوب في آخر الحول‏.‏

الاستناد من وجهٍ دون وجهٍ

13 - إذا استند الملك فإنّه في الفترة ما بين التّصرّف إلى حصول الإجازة وما يقوم معها - كضمان المضمونات - ملكٌ ناقصٌ، وليس كغيره من الملك التّامّ‏.‏

ويتفرّع على هذه المسألة فرعان‏:‏

الفرع الأوّل‏:‏ لو غصب عيناً فزادت عنده زيادةً متّصلةً كالسّمن، أو منفصلةً كالولد، فإذا ضمن الغاصب المغصوب فيما بعد، ملكه ملكاً مستنداً إلى وقت الغصب‏.‏ أمّا الزّيادة المتّصلة كسمن الدّابّة فلا يضمنها، لأنّها تكون قد حدثت على ملكه‏.‏ وأمّا الزّيادة المنفصلة الّتي حصلت بعد الغصب وقبل الضّمان، لو باعها أو استهلكها، فإنّه يضمنها، لأنّها في الأصل غير مضمونة عليه، إذ قد حدثت عنده أمانةً في يده فلا يضمنها إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط، وببيعها أو استهلاكها يكون متعدّياً، فكان غاصباً لها فيضمنها على تفصيلٍ موطنه الغصب‏.‏ فظهر الاستناد من جهة الزّوائد المتّصلة، واقتصر الملك على الحال من جهة الزّوائد المنفصلة‏.‏ قال الكاسانيّ‏:‏ أثبتنا الملك بطريق الاستناد، فالمستند يظهر من وجهٍ ويقتصر على الحال من وجهٍ، فيعمل بشبه الظّهور في الزّوائد المتّصلة، وبشبه الاقتصار في المنفصلة، ليكون عملاً بالشّبهين بقدر الإمكان‏.‏

الفرع الثّاني‏:‏ لو استغلّ الغاصب المغصوب، كما لو آجر الدّابّة، فإنّه يتصدّق بالغلّة على قول أبي حنيفة ومحمّدٍ، ولا يلزمه أن يتصدّق بالغلّة على قول أبي يوسف، لأنّه حصل في ملكه حين أدّى ضمانه مستنداً إلى حين الغصب‏.‏ وقال البابرتيّ‏:‏ وإنّما قال أبو حنيفة بالتّصدّق بالغلّة لأنّها حصلت بسببٍ خبيثٍ وهو التّصرّف في ملك الغير، وهو وإن دخل في ملكه من حين الغصب، إلاّ أنّ الملك المستند ناقصٌ لكونه ثابتاً فيه من وجهٍ دون وجهٍ، ولهذا يظهر في حقّ المغصوب القائم دون الفائت، فلا ينعدم فيه الخبث‏.‏

ما نشأ عن اعتبار الإجازة مستندةً في البيع الموقوف

14 - نشأ عن نظريّة استناد إجازة التّصرّفات الموقوفة إلى وقت الانعقاد إن اشترطوا لصحّة الإجازة قيام المجيز والمحلّ عند العقد، بالإضافة إلى قيام العاقدين‏.‏ ولذا يقول الحصكفيّ‏:‏ كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ وله مجيزٌ - أي من يقدر على إمضائه حال وقوعه - انعقد موقوفاً، وما لا مجيز له لا ينعقد أصلاً‏.‏ فلو أنّ صبيّاً باع عيناً ثمّ بلغ قبل إجازة وليّه فأجازه بنفسه جاز، لأنّ له وليّاً يجيزه حالة العقد، بخلاف ما لو طلّق مثلاً ثمّ بلغ فأجازه بنفسه، لأنّه وقت قيام التّصرّف لا مجيز له - أي لأنّ وليّه لا يملك إجازة الطّلاق - فيبطل، إلاّ أن يوقع الطّلاق حينئذٍ، كأن يقول بعد البلوغ‏:‏ أوقعت ذلك الطّلاق‏.‏

ما يدخله الاستناد

15 - يدخل الاستناد في تصرّفات شرعيّةٍ كثيرةٍ‏:‏ منها في العبادة كما ذكر ابن نجيمٍ في الأشباه‏:‏ أنّ الزّكاة تجب بتمام الحول مستنداً إلى أوّل وجود النّصاب‏.‏

وكطهارة المستحاضة تنتقض عند خروج الوقت مستنداً إلى وقت الحدث، لا إلى خروج الوقت، وكطهارة المتيمّم، تنتقض عند رؤية الماء مستنداً إلى وقت الحدث لا إلى رؤية الماء، فلو لبست المستحاضة الخفّ مع السّيلان أو بعده لم تمسح عليه، ولو لبس المتيمّم الخفّ بعد تيمّمه لا يجوز له المسح عليه‏.‏ ووضّح ذلك الكرلانيّ من الحنفيّة بالنّسبة للمستحاضة بأنّ الثّابت بالاستناد ثابتٌ من وجهٍ دون وجهٍ، لأنّه بين الظّهور والاقتصار، لأنّ انتقاض الوضوء حكم الحدث، والحدث وجد في تلك الحالة، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً معلّقةً بخروج الوقت، وخروج الوقت وجد الآن، فهذا يقتضي صيرورتها محدثةً في الحال، فجعلناه ظهوراً من وجهٍ اقتصاراً من وجهٍ، ولو كان ظهوراً من كلّ وجهٍ لا يجوز المسح، ولو كان اقتصاراً من كلّ وجهٍ لجاز المسح، فقلنا لا يجوز المسح أخذاً بالاحتياط‏.‏

16 - ويكون الاستناد أيضاً في البيوع الموقوف نفاذها على الإجازة كما تقدّم‏.‏ ومن البيوع الموقوفة بيع المكره والمرتدّ، وما صدر من مالكٍ غير أهلٍ لتولّي طرفي العقد، كالصّبيّ المميّز والسّفيه المحجور عليه، وبيع المحجور عليه لحقّ الدّائنين، وما صدر ممّن ليس له ولايةٌ شرعيّةٌ كالفضوليّ‏.‏ وكذا لو باع المالك ما تعلّق به حقّ الغير كالمرهون‏.‏

ويدخل الاستناد أيضاً سائر العقود والإسقاطات والتّصرّفات الّتي تتوقّف على الإجازة، فمثلاً كلّ تصرّفٍ صدر من الفضوليّ تمليكاً كتزويجٍ، أو إسقاطاً كطلاقٍ وإعتاقٍ، ينعقد موقوفاً على الإجازة ويستند‏.‏ والقاعدة في ذلك أنّ ‏"‏ الإجازة اللاّحقة كالوكالة السّابقة ‏"‏ ‏(‏ر‏:‏ إجازةٌ‏)‏‏.‏ وكذا العقود الّتي فيها الخيار للطّرفين، أو لأحدهما إذا أجازها من له الخيار فلزمت، فإنّها تلزم لزوماً مستنداً إلى وقت الانعقاد، لأنّها موقوفةٌ على قولٍ، والمضمونات تملك بأداء الضّمان ملكاً مستنداً إلى وقت سبب الضّمان‏.‏

ويكون الاستناد أيضاً في الوصيّة إذا قبل الموصى له المعيّن ما أوصى له به، عند من يثبت الملك فيه من حين موت الموصي، وهو القول الأصحّ للشّافعيّة، وهو وجهٌ مرجوحٌ عند الحنابلة، وعليه فيطالب الموصى له بثمرة الموصى به، وتلزمه نفقته وفطرته وغيرهما من حين موت الموصي‏.‏

وممّا يدخله الاستناد‏:‏ الوصيّة لأجنبيٍّ بأكثر من الثّلث، أو لوارثٍ، وتبرّعات المريض في مرض الموت، إذ يتوقّف ذلك على إجازة الورثة، ويستند إلى وقت وفاة الموصي عند بعض الفقهاء‏.‏

الاستناد في الفسخ والانفساخ

17 - مذهب الحنفيّة، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة أنّ الفسخ لا يرفع العقد من أصله، وإنّما في فسخٍ فيما يستقبل من الزّمان دون الماضي على ما نقل شيخ الإسلام خواهر زاده‏.‏ وعند الشّافعيّة في القول المرجوح، وهو أحد وجهين للحنابلة يستند الفسخ إلى وقت العقد‏.‏

استنباطٌ

التعريف

1 - الاستنباط لغةً‏:‏ استفعالٌ من أنبط الماء إنباطاً بمعنى استخرجه‏.‏ وكلّ ما أظهر بعد خفاءٍ فقد أنبط واستنبط‏.‏ واستنبط الفقيه الحكم‏:‏ استخرجه باجتهاده‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم‏}‏ واستنبطه واستنبط منه علماً وخيراً ومالاً‏:‏ استخرجه‏.‏ وهو مجازٌ‏.‏

ويستخلص من استعمال الفقهاء والأصوليّين تعريف الاستنباط بأنّه‏:‏ استخراج الحكم أو العلّة إذا لم يكونا منصوصين ولا مجمعاً عليهما بنوعٍ من الاجتهاد‏.‏ فيستخرج الحكم بالقياس، أو الاستدلال، أو الاستحسان، أو نحوها، وتستخرج العلّة بالتّقسيم والسّبر، أو المناسبة، أو غيرها ممّا يعرف بمسالك العلّة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الاجتهاد‏:‏

2 - هو بذل الطّاقة من الفقيه في تحصيل حكمٍ شرعيٍّ ظنّيٍّ، فالفرق بينه وبين الاستنباط أنّه أعمّ من الاستنباط، لأنّ الاجتهاد كما يكون في استخراج الحكم أو العلّة، يكون في دلالات النّصوص والتّرجيح عند التّعارض‏.‏

ب - التّخريج‏:‏

3 - يستعمل هذا التّعبير كلٌّ من الفقهاء والأصوليّين، وهو نوعٌ من الاستنباط، ومعناه عندهم‏:‏ استخراج الحكم بالتّفريع على نصّ الإمام في صورةٍ مشابهةٍ، أو على أصول إمام المذهب كالقواعد الكلّيّة الّتي يأخذ بها، أو الشّرع، أو العقل، من غير أن يكون الحكم منصوصاً عليه من الإمام‏.‏ ومن أمثلته‏:‏ التّفريع على قاعدة عدم التّكليف بما لا يطاق‏.‏ هذا حاصل ما ذكره ابن بدران من الحنابلة‏.‏ وقال السّقّاف من الشّافعيّة ما حاصله‏:‏ إنّ التّخريج أن ينقل فقهاء المذهب الحكم من نصّ إمامهم في صورةٍ إلى صورةٍ مشابهةٍ‏.‏

وقد يكون للإمام نصٌّ في الصّورة المنقول إليها مخالفٌ للحكم المنقول، فيكون له في هذه الصّورة قولان، قولٌ منصوصٌ وقولٌ مخرّجٌ‏.‏ وتخريج المناط عند الأصوليّين معناه‏:‏ إظهار ما علّق عليه الحكم، أي إظهار العلّة‏.‏

ج - البحث‏:‏

4 - قال ابن حجرٍ الهيتميّ‏:‏ البحث ما يفهم فهماً واضحاً من الكلام العامّ للأصحاب، المنقول عن صاحب المذهب بنقلٍ عامٍّ‏.‏ وقال السّقّاف‏:‏ البحث هو الّذي استنبطه الباحث من نصوص الإمام وقواعده الكلّيّة‏.‏

مواطن البحث

يرجع لمعرفة مسائل الاستنباط إلى ‏(‏الاجتهاد‏)‏ ‏(‏والقياس - مسالك العلّة‏)‏ والملحق الأصوليّ‏.‏

استنتار

انظر‏:‏ استبراءٌ‏.‏

استنثارٌ

التعريف

1 - الاستنثار‏:‏ هو نثر ما في الأنف من مخاطٍ وغيره بالنّفس، واستنثر الإنسان‏:‏ استنشق الماء، ثمّ استخرج ذلك بنفس الأنف‏.‏ ولا يخرج استعمال الفقهاء عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - الاستنثار سنّةٌ في الطّهارة، لما ورد في صفة وضوء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه «تمضمض واستنشق واستنثر»‏.‏ وللفقهاء تفصيلٌ في كيفيّته‏.‏

مواطن البحث

3 - تنظر أحكام الاستنثار وكيفيّته تحت مصطلح ‏(‏وضوءٌ‏)‏ ‏(‏وغسلٌ‏)‏‏.‏

استنجاءٌ

التعريف

1 - من معاني الاستنجاء‏:‏ الخلاص من الشّيء، يقال‏:‏ استنجى حاجته منه، أي خلّصها‏.‏ والنّجوة ما ارتفع من الأرض فلم يعلها السّيل، فظننتها نجاءك‏.‏

وأنجيت الشّجرة واستنجيتها‏:‏ قطعتها من أصلها‏.‏ ومأخذ الاستنجاء في الطّهارة،

قال شمرٌ‏:‏ أراه من الاستنجاء بمعنى القطع، لقطعه العذرة بالماء، وقال ابن قتيبة‏:‏ مأخوذٌ من النّجوة وهي ما ارتفع من الأرض، لأنّه إذا أراد قضاء الحاجة استتر بها‏.‏

وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحاً، وكلّها تلتقي على أنّ الاستنجاء إزالة ما يخرج من السّبيلين، سواءٌ بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه‏.‏ وليس غسل النّجاسة عن البدن أو عن الثّوب استنجاءً‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الاستطابة‏:‏

2 - الاستطابة هي بمعنى الاستنجاء، تشمل استعمال الماء والحجارة‏.‏ وفي قولٍ عند الشّافعيّة أنّها خاصّةٌ باستعمال الماء، فتكون حينئذٍ أخصّ من الاستنجاء‏.‏ وأصلها من الطّيب، لأنّها تطيّب المحلّ بإزالة ما فيه من الأذى، ولذا يقال فيها أيضاً الإطابة‏.‏

ب - الاستجمار‏:‏

3 - الجمار‏:‏ الحجارة، جمع جمرةٍ وهي الحصاة‏.‏ ومعنى الاستجمار‏:‏ استعمال الحجارة ونحوها في إزالة ما على السّبيلين من النّجاسة‏.‏

ج - الاستبراء‏:‏

4 - الاستبراء لغةً طلب‏:‏ البراءة، وفي الاصطلاح‏:‏ طلب البراءة من الخارج بما تعارفه الإنسان من مشيٍ أو تنحنحٍ أو غيرهما إلى أن تنقطع المادّة، فهو خارجٌ عن ماهيّة الاستنجاء، لأنّه مقدّمةٌ له‏.‏

د - الاستنقاء‏:‏

5 - الاستنقاء‏:‏ طلب النّقاوة، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار، أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء حتّى ينقّيها، فهو أخصّ من الاستنجاء، ومثله الإنقاء‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ هو أن تذهب لزوجة النّجاسة وآثارها‏.‏

حكم الاستنجاء

6 - في حكم الاستنجاء - من حيث الجملة - رأيان للفقهاء‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّه واجبٌ إذا وجد سببه، وهو الخارج، وهو قول المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏ واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجارٍ، يستطيب بهنّ، فإنّها تجزي عنه» وقوله‏:‏ «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجارٍ» رواه مسلمٌ وفي لفظٍ له‏:‏ «لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجارٍ»، قالوا‏:‏ والحديث الأوّل أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب‏.‏ وقال‏:‏ «فإنّها تجزي عنه» والإجزاء إنّما يستعمل في الواجب، ونهى عن الاقتصار على أقلّ من ثلاثةٍ، والنّهي يقتضي التّحريم، وإذا حرّم ترك بعض النّجاسة فجميعها أولى‏.‏

7 - الرّأي الثّاني‏:‏ أنّه مسنونٌ وليس بواجبٍ‏.‏ وهو قول الحنفيّة، وروايةٌ عن مالكٍ‏.‏ ففي منية المصلّي‏:‏ الاستنجاء مطلقاً سنّةٌ لا على سبيل التّعيين من كونه بالحجر أو بالماء، وهو قول المزنيّ من أصحاب الشّافعيّ‏.‏ ونقل صاحب المغني من قول ابن سيرين فيمن صلّى بقومٍ ولم يستنج، قال‏:‏ لا أعلم به بأساً‏.‏ قال الموفّق‏:‏ يحتمل أنّه لم ير وجوب الاستنجاء‏.‏ واحتجّ الحنفيّة بما في سنن أبي داود من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» قال في مجمع الأنهر‏:‏ لأنّه لو كان واجباً لما انتفى الحرج عن تاركه‏.‏ واحتجّوا أيضاً بأنّه نجاسةٌ قليلةٌ، والنّجاسة القليلة عفوٌ‏.‏

وفي السّراج الوهّاج للحنفيّة‏:‏ الاستنجاء خمسة أنواعٍ‏.‏ أربعةٌ فريضةٌ‏:‏ من الحيض والنّفاس والجنابة، وإذا تجاوزت النّجاسة مخرجها‏.‏

وواحدٌ سنّةٌ، وهو ما إذا كانت النّجاسة قدر المخرج‏.‏ وقد رفض ابن نجيمٍ هذا التّقسيم، وقرّر أنّ الثّلاثة هي من باب إزالة الحدث، والرّابع من باب إزالة النّجاسة العينيّة عن البدن، وليس ذلك من باب الاستنجاء، فلم يبق إلاّ القسم المسنون‏.‏ وأقرّ ابن عابدين التّقرير‏.‏ وقال القرافيّ بعد أن ذكر أنّ من ترك الاستنجاء وصلّى بالنّجاسة أعاد، قال‏:‏ ولمالكٍ رحمه الله في العتبية‏:‏ لا إعادة عليه، ثمّ ذكر الحديث المتقدّم‏:‏ «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» وقال‏:‏ الوتر يتناول المرّة الواحدة، فإذا نفاها لم يبق شيءٌ، ولأنّه محلٌّ تعمّ به البلوى فيعفى عنه، وهذا يقتضي أنّ عند مالكٍ قولاً بعدم الوجوب‏.‏ ثمّ هو عند الحنفيّة سنّةٌ مؤكّدةٌ لمواظبته صلى الله عليه وسلم‏.‏ وبنى ابن عابدين على ذلك كراهة تركه، ونقله أيضاً عن البدائع‏.‏ ونقل عن الخلاصة والحلية نفي الكراهة، بناءً على أنّه مستحبٌّ لا سنّةٌ، بخلاف النّجاسة المعفوّ عنها في غير موضع الحدث فتركها يكره‏.‏

وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه

8 - إنّ وجوب الاستنجاء إنّما هو لصحّة الصّلاة‏.‏ ولذا قال الشبراملسي من الشّافعيّة‏:‏ لا يجب الاستنجاء على الفور، بل عند القيام إلى الصّلاة حقيقةً أو حكماً، بأن دخل وقت الصّلاة وإن لم يرد فعلها في أوّله‏.‏ فإذا دخل وقت الصّلاة وجب وجوباً موسّعاً بسعة الوقت، ومضيّقاً بضيقه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ نعم، إن قضى حاجته في الوقت، وعلم أنّه لا يجد الماء في الوقت، وجب استعمال الحجر فوراً‏.‏

علاقة الاستنجاء بالوضوء، والتّرتيب بينهما

9 - الاستنجاء من سنن الوضوء قبله عند الحنفيّة والشّافعيّة، والرّواية المعتمدة للحنابلة، فلو أخّره عنه جاز وفاتته السّنّيّة، لأنّه إزالة نجاسةٍ، فلم تشترط لصحّة الطّهارة، كما لو كانت على غير الفرج‏.‏ وصرّح المالكيّة بأنّه لا يعدّ من سنن الوضوء، وإن استحبّوا تقديمه عليه‏.‏ أمّا الرّواية الأخرى عند الحنابلة‏:‏ فالاستنجاء قبل الوضوء - إذا وجد سببه - شرطٌ في صحّة الصّلاة‏.‏ فلو توضّأ قبل الاستنجاء لم يصحّ، وعلى هذه الرّواية اقتصر صاحب كشّاف القناع‏.‏ قال الشّافعيّة‏:‏ وهذا في حقّ السّليم، أمّا في حقّ صاحب الضّرورة - يعنون صاحب السّلس ونحوه - فيجب تقديم الاستنجاء على الوضوء‏.‏

وعلى هذا، فإذا توضّأ السّليم قبل الاستنجاء، يستجمر بعد ذلك بالأحجار، أو يغسله بحائلٍ بينه وبين يديه، ولا يمسّ الفرج‏.‏ وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك التّفصيل‏.‏

علاقة الاستنجاء بالتّيمّم، والتّرتيب بينهما

10 - للفقهاء في ذلك اتّجاهان‏:‏

الاتّجاه الأوّل‏:‏ أنّه يجب تقديم الاستجمار على التّيمّم، وهذا رأي الشّافعيّة، وهو أحد احتمالين عند المالكيّة، وقولٌ عند الحنابلة‏.‏ وعلّل القرافيّ ذلك بأنّ التّيمّم لا بدّ أن يتّصل بالصّلاة، فإذا تيمّم ثمّ استنجى فقد فرّقه بإزالة النّجو‏.‏ وعلّل القاضي أبو يعلى ذلك بأنّ التّيمّم لا يرفع الحدث، وإنّما تستباح به الصّلاة، ومن عليه نجاسةٌ يمكنه إزالتها لا تباح له الصّلاة، فلم تصحّ نيّة الاستباحة، كما لو تيمّم قبل الوقت‏.‏

والاتّجاه الثّاني‏:‏ أنّ التّرتيب هنا لا يجب، وهو الاحتمال الثّاني عند المالكيّة، والقول الآخر للحنابلة‏.‏ قال القرافيّ‏:‏ كما لو تيمّم ثمّ وطئ نعله على روثٍ، فإنّه يمسحه ويصلّي‏.‏ وقال القاضي أبو يعلى‏:‏ لأنّه طهارةٌ فأشبهت الوضوء، والمنع من الإباحة لمانعٍ آخر لا يقدح في صحّة التّيمّم، كما لو تيمّم في موضعٍ نهي عن الصّلاة فيه، أو تيمّم وعلى ثوبه نجاسةٌ‏.‏ وقيل عند الحنابلة‏:‏ لا يصحّ تأخيره عن التّيمّم قولاً واحداً‏.‏

حكم استنجاء من به حدثٌ دائمٌ

11 - من كان به حدثٌ دائمٌ، كمن به سلس بولٍ ونحوه، يخفّف في شأنه حكم الاستنجاء، كما يخفّف حكم الوضوء‏.‏

ففي قول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ يستنجي ويتحفّظ، ثمّ يتوضّأ لكلّ صلاةٍ بعد دخول الوقت‏.‏ فإذا فعل ذلك وخرج منه شيءٌ لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السّلس ونحوه، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفيّة والشّافعيّة، وهو أحد قولي الحنابلة‏.‏ أو إلى أن يدخل وقت الصّلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة‏.‏ وأمّا على قول المالكيّة‏:‏ فلا يلزم من به السّلس التّوضّؤ منه لكلّ صلاةٍ، بل يستحبّ ذلك ما لم يشقّ، فعندهم أنّ ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحاً - أي كثيراً يلازم كلّ الزّمن أو جلّه، بأن يأتي كلّ يومٍ مرّةً فأكثر - فإنّه يعفى عنه، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسنّ، وإن نقض الوضوء وأبطل الصّلاة في بعض الأحوال، وسواءٌ أكان غائطاً، أم بولاً، أم مذياً، أم غير ذلك‏.‏

ما يستنجى منه

12 - أجمع الفقهاء على أنّ الخارج من السّبيلين المعتاد النّجس الملوّث يستنجى منه حسبما تقدّم‏.‏ أمّا ما عداه ففيه خلافٌ، وتفصيلٌ بيانه فيما يلي‏:‏

الخارج غير المعتاد

13 - الخارج غير المعتاد كالحصى والدّود والشّعر، لا يستنجى منه إذا خرج جافّاً، طاهراً كان أو نجساً‏.‏

أمّا إذا كان به بلّةٌ ولوّث المحلّ فيستنجى منها، فإن لم يلوّث المحلّ فلا يستنجى منه عند الحنفيّة والمالكيّة، وهو القول المقدّم عند كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة‏.‏ والقول الآخر عند كلٍّ من الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ يستنجى من كلّ ما خرج من السّبيلين غير الرّيح‏.‏

الدّم والقيح وشبههما من غير المعتاد

14 - إن خرج الدّم أو القيح من أحد السّبيلين ففيه قولان للفقهاء‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّه لا بدّ من غسله كسائر النّجاسات، ولا يكفي فيه الاستجمار‏.‏ وهذا قولٌ عند كلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة، لأنّ الأصل في النّجاسة الغسل، وترك ذلك في البول والغائط للضّرورة، ولا ضرورة هنا، لندرة هذا النّوع من الخارج‏.‏ واحتجّ أصحاب هذا القول أيضاً بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «أمر بغسل الذّكر من المذي» والأمر يقتضي الوجوب‏.‏ قال ابن عبد البرّ‏:‏ استدلّوا بأنّ الآثار كلّها على اختلاف ألفاظها وأسانيدها ليس فيها ذكر الاستجمار، إنّما هو الغسل‏.‏ كالأمر بالغسل من المذي في حديث عليٍّ‏.‏

والقول الثّاني‏:‏ أنّه يجزئ فيه الاستجمار، وهو رأي الحنفيّة والحنابلة، وقولٌ لكلٍّ من المالكيّة والشّافعيّة، وهذا إن لم يختلط ببولٍ أو غائطٍ‏.‏

وحجّة هذا القول، أنّه وإن لم يشقّ فيه الغسل لعدم تكرّره، فهو مظنّة المشقّة‏.‏ وأمّا المذي فمعتادٌ كثيرٌ، ويجب غسل الذّكر منه تعبّداً، وقيل‏:‏ لا يجب‏.‏

ما خرج من مخرجٍ بديلٍ عن السّبيلين

15 - إذا انفتح مخرجٌ للحدث، وصار معتاداً، استجمر منه عند المالكيّة، ولا يلحق بالجسد، لأنّه أصبح معتاداً بالنّسبة إلى ذلك الشّخص المعيّن‏.‏ وعند الحنابلة‏:‏ إذا انسدّ المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزئه الاستجمار فيه، ولا بدّ من غسله، لأنّه غير السّبيل المعتاد‏.‏ وفي قولٍ لهم‏:‏ يجزئ‏.‏ ولم يعثر على قول الحنفيّة والشّافعيّة في هذه المسألة‏.‏

المذي‏:‏

16 - المذي نجسٌ عند الحنفيّة، فهو ممّا يستنجى منه كغيره، بالماء أو بالأحجار‏.‏ ويجزئ الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه‏.‏ وكذلك عند المالكيّة في قولٍ هو خلاف المشهور عندهم، وهو الأظهر عند الشّافعيّة، وروايةٌ عند الحنابلة‏.‏ أمّا في المشهور عند المالكيّة، وهي الرّواية الأخرى عند الحنابلة، فيتعيّن فيه الماء ولا يجزئ الحجر، لما روي أنّ عليّاً رضي الله عنه قال‏:‏ «كنت رجلاً مذّاءً، فاستحيت أن أسأل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال‏:‏ يغسل ذكره وأنثييه ويتوضّأ»‏.‏ وفي لفظٍ «يغسل ذكره ويتوضّأ»‏.‏ وإنّما يتعيّن فيه الغسل عند المالكيّة إذا خرج بلذّةٍ معتادةٍ، أمّا إن خرج بلا لذّةٍ أصلاً فإنّه يكفي فيه الحجر، ما لم يكن يأتي كلّ يومٍ على وجه السّلس، فلا يطلب في إزالته ماءٌ ولا حجرٌ، بل يعفى عنه‏.‏

الودي‏:‏

17 - الودي خارجٌ نجسٌ، ويجزي فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب الأربعة‏.‏

الرّيح‏:‏

18 - لا استنجاء من الرّيح‏.‏ صرّح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة‏.‏ فقال الحنفيّة‏:‏ هو بدعةٌ، وهذا يقتضي أنّه عندهم محرّمٌ، ومثله ما قاله القليوبيّ من الشّافعيّة، بل يحرم، لأنّه عبادةٌ فاسدةٌ‏.‏ ويكره عند المالكيّة والشّافعيّة‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ليس منّا من استنجى من ريحٍ» والنّهي للكراهة‏.‏ وقال صاحب نهاية المحتاج من الشّافعيّة‏:‏ لا يجب ولا يستحبّ الاستنجاء من الرّيح ولو كان المحلّ رطباً‏.‏ وقال ابن حجرٍ المكّيّ‏:‏ يكره من الرّيح إلاّ إن خرجت والمحلّ رطبٌ‏.‏ والّذي عبّر به الحنابلة‏:‏ أنّه لا يجب منها، ومقتضى استدلالهم الآتي الكراهة على الأقلّ‏.‏ قال صاحب المغني‏:‏ للحديث «من استنجى من ريحٍ فليس منّا» رواه الطّبرانيّ في معجمه الصّغير‏.‏

وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم‏}‏‏.‏ الآية إذا قمتم من النّوم‏.‏ ولم يأمر بغيره، يعني فلو كان واجباً لأمر به، لأنّ النّوم مظنّة خروج الرّيح، فدلّ على أنّه لا يجب، ولأنّ الوجوب من الشّرع، ولم يرد بالاستنجاء هاهنا نصٌّ، ولا هو في معنى المنصوص عليه، لأنّ الاستنجاء شرع لإزالة النّجاسة، ولا نجاسة هاهنا‏.‏

الاستنجاء بالماء

19 - يستحبّ باتّفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء‏.‏ وقد ورد عن بعض الصّحابة والتّابعين إنكار الاستنجاء به، ولعلّ ذلك لأنّه مطعومٌ‏.‏

والحجّة لإجزاء استعمال الماء ما روى أنس بن مالكٍ قال‏:‏ «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوةً من ماءٍ وعنزةً، فيستنجي بالماء» متّفقٌ عليه‏.‏ وعن «عائشة أنّها قالت‏:‏ مرن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء فإنّي أستحييهم، وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله»‏.‏ وقد حمل المالكيّة ما ورد عن السّلف من إنكار استعمال الماء بأنّه في حقّ من أوجب استعمال الماء‏.‏ وحمل صاحب كفاية الطّالب ما ورد عن سعيد بن المسيّب من قوله‏:‏ وهل يفعل ذلك إلاّ النّساء‏؟‏ على أنّه من واجبهنّ‏.‏

الاستنجاء بغير الماء من المائعات

20 - لا يجزئ الاستنجاء بغير الماء من المائعات على قول الجمهور‏:‏ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، وهو روايةٌ عن محمّد بن الحسن تعدّ ضعيفةً في المذهب‏.‏ قال المالكيّة‏:‏ بل يحرم الاستنجاء بمائعٍ غير الماء لنشره النّجاسة‏.‏ وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنّه يمكن أن يتمّ الاستنجاء - كما في إزالة النّجاسة - بكلّ مائعٍ طاهرٍ مزيلٍ، كالخلّ وماء الورد، دون ما لا يزيل كالزّيت، لأنّ المقصود قد تحقّق، وهو إزالة النّجاسة‏.‏ ثمّ قد قال ابن عابدين‏:‏ يكره الاستنجاء بمائعٍ غير الماء، لما فيه من إضاعة المال بلا ضرورةٍ‏.‏

أفضليّة الغسل بالماء على الاستجمار

21 - إنّ غسل المحلّ بالماء أفضل من الاستجمار، لأنّه أبلغ في الإنقاء، ولإزالته عين النّجاسة وأثرها‏.‏ وفي روايةٍ عن أحمد‏:‏ الأحجار أفضل، ذكرها صاحب الفروع‏.‏ وإذا جمع بينهما بأن استجمر ثمّ غسل كان أفضل من الكلّ بالاتّفاق‏.‏ وبيّن النّوويّ وجه الأفضليّة بقوله‏:‏ تقديم الأحجار لتقلّ مباشرة النّجاسة واستعمال الماء، فلو استعمل الماء أوّلاً لم يستعمل الحجارة بعده، لأنّه لا فائدة فيه‏.‏ وعند الحنابلة التّرتيب بتقديم الاستجمار على الغسل مستحبٌّ، وإن قدّم الماء وأتبعا الحجارة كره، لقول عائشة‏:‏ «مرن أزواجكنّ أن يتبعوا الحجارة الماء فإنّي أستحييهم، وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعله»‏.‏ وعند الحنفيّة قيل‏:‏ الغسل بالماء سنّةٌ، وقيل‏:‏ الجمع سنّةٌ في زماننا‏.‏ وقيل‏:‏ سنّةٌ على الإطلاق، وهو الصّحيح وعليه الفتوى كما في البحر الرّائق‏.‏ هذا وقد احتجّ الخرشيّ وغيره على أفضليّة الجمع بين الماء والحجر بأنّ أهل قباء كانوا يجمعون بينهما، فمدحهم اللّه تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏إنّ اللّه يحبّ التّوّابين ويحبّ المتطهّرين‏}‏ وحقّق النّوويّ أنّ الرّواية الصّحيحة في ذلك ليس فيها أنّهم كانوا يجمعون بينهما، وإنّما فيها أنّهم يستنجون بالماء‏.‏

ما يستجمر به

22 - الاستجمار يكون بكلّ جامدٍ إلاّ ما منع منه وسيأتي تفصيله، وهذا قول جمهور العلماء، ومنهم الإمام أحمد في الرّواية المعتمدة عنه، وهو الصّحيح من مذهب الحنابلة‏.‏ وفي روايةٍ عن أحمد اختارها أبو بكرٍ‏:‏ لا يجزئ في الاستجمار شيءٌ من الجوامد من خشبٍ وخرقٍ إلاّ الأحجار،«لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار»، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنّه موضع رخصةٍ ورد فيها الشّرع بآلةٍ مخصوصةٍ، فوجب الاقتصار عليها، كالتّراب في التّيمّم‏.‏ والدّليل لقول الجمهور‏:‏ ما روى أبو داود عن خزيمة قال‏:‏ «سئل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال‏:‏ بثلاثة أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ» فلولا أنّه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرّجيع، لأنّه لا يحتاج لذكره، ولم يكن لتخصيص الرّجيع بالذّكر معنًى‏.‏ وعن سلمان قال «‏:‏ قيل له‏:‏ قد علّمكم نبيّكم كلّ شيءٍ حتّى الخراء قال‏:‏ فقال‏:‏ أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجي باليمين‏.‏ أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجارٍ، أو أن نستنجي برجيعٍ أو عظمٍ» 0 وفارق التّيمّم، لأنّ القصد هنا إزالة النّجاسة، وهي تحصل بغير الأحجار، أمّا التّيمّم فهو غير معقول المعنى‏.‏

الاستجمار هل هو مطهّرٌ للمحلّ‏؟‏

23 - اختلف الفقهاء في هذا على قولين‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّ المحلّ يصير طاهراً بالاستجمار، وهو قولٌ عند كلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ والّذي يدلّ على اعتبار الشّرع طهارته أنّه صلى الله عليه وسلم «نهى أن يستنجى بروثٍ أو عظمٍ، وقال‏:‏ إنّهما لا يطهّران» فعلم أنّ ما أطلق الاستنجاء به يطهّر، إذ لو لم يطهّر لم يطلق الاستنجاء به لهذه العلّة‏.‏ وكذلك قال الدّسوقيّ المالكيّ‏:‏ يكون المحلّ طاهراً لرفع الحكم والعين عنه‏.‏

والقول الثّاني‏:‏ وهو القول الآخر لكلٍّ من الحنفيّة والمالكيّة، وقول المتأخّرين من الحنابلة‏:‏ أنّ المحلّ يكون نجساً معفوّاً عنه للمشقّة‏.‏ قال ابن نجيمٍ‏:‏ ظاهر ما في الزّيلعيّ أنّ المحلّ لا يطهر بالحجر‏.‏ وفي كشّاف القناع للحنابلة‏:‏ أثر الاستجمار نجسٌ يعفى عن يسيره في محلّه للمشقّة‏.‏ وفي المغني‏:‏ وعليه لو عرق كان عرقه نجساً‏.‏

24 - وجمهور الفقهاء على أنّ الرّطوبة إذا أصابت المحلّ بعد الاستجمار يعفى عنها‏.‏

قال ابن نجيمٍ من الحنفيّة‏:‏ بناءً على القول بأنّ المحلّ بعد الاستجمار نجسٌ معفوٌّ عنه، يتفرّع عليه أنّه يتنجّس السّبيل بإصابة الماء‏.‏ وفيه الخلاف المعروف في مسألة الأرض إذا جفّت بعد التّنجّس ثمّ أصابها الماء، وقد اختاروا في الجميع عدم عود النّجاسة، فليكن كذلك هنا‏.‏ ثمّ نقل عن ابن الهمام قوله‏:‏ أجمع المتأخّرون - أي من الحنفيّة - على أنّه لا ينجس المحلّ بالعرق، حتّى لو سال العرق منه، وأصاب الثّوب والبدن أكثر من قدر الدّرهم لا يمنع ‏(‏أي لا يمنع صحّة الصّلاة‏)‏‏.‏

ونقل القرافيّ عن صاحب الطّراز وابن رشدٍ‏:‏ يعفى عنه لعموم البلوى‏.‏ قال‏:‏ وقد عفي عن ذيل المرأة تصيبه النّجاسة، مع إمكان شيله، فهذا أولى، ولأنّ الصّحابة رضي الله عنهم كانوا يستجمرون ويعرقون‏.‏ والقول الآخر‏:‏ قاله الشّافعيّة، وابن القصّار من المالكيّة‏:‏ لا ينجس إن لم تتعدّ الرّطوبة محلّ الاستجمار، وينجس إن تعدّت النّجاسة محلّ العفوّ‏.‏

المواضع الّتي لا يجزئ فيها الاستجمار

أ - النّجاسة الواردة على المخرج من خارجه‏:‏

25 - إن كان النّجس طارئاً على المحلّ من خارجٍ أجزأ فيه الاستجمار في المشهور عند الحنفيّة‏.‏ وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ الحجر لا يجزئ فيه، بل لا بدّ من غسله بالماء‏.‏ وهو قولٌ آخر للحنفيّة‏.‏ ومثله عند الشّافعيّة، ما لو طرأ على المحلّ المتنجّس بالخارج طاهرٌ رطبٌ، أو يختلط بالخارج كالتّراب‏.‏ ومثله ما لو استجمر بحجرٍ مبتلٍّ، لأنّ بلل الحجر يتنجّس بنجاسة المحلّ ثمّ ينجّسه‏.‏ وكذا لو انتقلت النّجاسة عن المحلّ الّذي أصابته عند الخروج، فلا بدّ عندهم من غسل المحلّ في كلّ تلك الصّور‏.‏

ب - ما انتشر من النّجاسة وجاوز المخرج‏:‏

26 - اتّفقت المذاهب الأربعة على أنّ الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيراً لا يجزئ فيه الاستجمار، بل لا بدّ من غسله‏.‏ ووجه ذلك أنّ الاستجمار رخصةٌ لعموم البلوى، فتختصّ بما تعمّ به البلوى، ويبقى الزّائد على الأصل في إزالة النّجاسة بالغسل‏.‏ لكنّهم اختلفوا في تحديد الكثير، فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة إلى أنّ الكثير من الغائط هو ما جاوز المخرج، وانتهى إلى الألية، والكثير من البول ما عمّ الحشفة‏.‏

وانفرد المالكيّة في حال الكثرة بأنّه يجب غسل الكلّ لا الزّائد وحده‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ الكثير هو ما زاد عن قدر الدّرهم، مع اقتصار الوجوب على الزّائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمّدٍ، حيث وافق المالكيّة في وجوب غسل الكلّ‏.‏

ج - استجمار المرأة‏:‏

27 - يجزئ المرأة الاستجمار من الغائط بالاتّفاق، وهذا واضحٌ‏.‏ أمّا من البول فعند المالكيّة لا يجزئ الاستجمار في بول المرأة، بكراً كانت أو ثيّباً‏.‏ قالوا‏:‏ لأنّه يجاوز المخرج غالباً‏.‏ وعند الشّافعيّة‏:‏ يكفي في بول المرأة - إن كانت بكراً - ما يزيل عين النّجاسة خرقاً أو غيرها، أمّا الثّيّب فإن تحقّقت نزول البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب، لم يكف الاستجمار، وإلاّ كفى‏.‏ ويستحبّ الغسل حينئذٍ‏.‏

أمّا عند الحنابلة ففي الثّيّب قولان‏:‏

الأوّل‏:‏ أنّه يكفيها الاستجمار‏.‏

والثّاني‏:‏ أنّه يجب غسله‏.‏ وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الدّاخل من نجاسةٍ وجنابةٍ وحيضٍ، بل تغسل ما ظهر، ويستحبّ لغير الصّائمة غسله‏.‏

ومقتضى قواعد مذهب الحنفيّة أنّه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنّةً‏.‏ وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار، بل لا بدّ من المائع أو الماء لإزالة النّجاسة‏.‏ ولم يتعرّضوا لكيفيّة استجمار المرأة‏.‏

ما لا يستجمر به

28 - اشترط الحنفيّة والمالكيّة فيما يستجمر به خمسة شروطٍ‏:‏

‏(‏1‏)‏ أن يكون يابساً، وعبّر غيرهم بدل اليابس بالجامد‏.‏

‏(‏2‏)‏ طاهراً‏.‏

‏(‏3‏)‏ منقّياً‏.‏

‏(‏4‏)‏ غير مؤذٍ‏.‏

‏(‏5‏)‏ ولا محترمٍ‏.‏ وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواعٍ‏:‏

‏(‏1‏)‏ ما ليس يابساً‏.‏

‏(‏2‏)‏ الأنجاس‏.‏

‏(‏3‏)‏ غير المنقّي، كالأملس من القصب ونحوه‏.‏

‏(‏4‏)‏ المؤذي، ومنه المحدّد كالسّكّين ونحوه‏.‏

‏(‏5‏)‏ المحترم وهو عندهم ثلاثة أصنافٍ‏:‏

أ - المحترم لكونه مطعوماً‏.‏

ب - المحترم لحقّ الغير‏.‏

ج - المحترم لشرفه‏.‏

وهذه الأمور تذكر في غير كتب المالكيّة أيضاً، إلاّ أنّهم لا يذكرون في الشّروط عدم الإيذاء، وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامّة للشّريعة‏.‏ وهم وإن اتّفقوا على هذه الاشتراطات من حيث الجملة، فإنّهم قد يختلفون في التّفاصيل، وقد يتّفقون‏.‏

ويرجع في تفصيل ذلك إلى كتب الفقه‏.‏

هل يجزئ الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به

29 - إذا ارتكب النّهي واستنجى بالمحرّم وأنقى، فعند الحنفيّة والمالكيّة وابن تيميّة من الحنابلة، كما في الفروع‏:‏ يصحّ الاستنجاء مع التّحريم‏.‏ قال ابن عابدين‏:‏ لأنّه يجفّف ما على البدن من الرّطوبة‏.‏ وقال الدّسوقيّ‏:‏ ولا إعادة عليه في الوقت ولا في غيره‏.‏

أمّا عند الشّافعيّة فلا يجزئ الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعامٍ أو كتب علمٍ، وكذلك النّجس‏.‏ أمّا عند الحنابلة فلا يجزئ الاستجمار بما حرم مطلقاً، لأنّ الاستجمار رخصةٌ فلا تباح بمحرّمٍ‏.‏ وفرّقوا بينه وبين الاستجمار باليمين - فإنّه يجزئ الاستجمار بها مع ورود النّهي - بأنّ النّهي في العظم ونحوه لمعنًى في شرط الفعل، فمنع صحّته، كالوضوء بالماء النّجس‏.‏ أمّا باليمين فالنّهي لمعنًى في آلة الشّرط، فلم يمنع، كالوضوء من إناءٍ محرّمٍ‏.‏ وسوّوا في ذلك بين ما ورد النّهي عن الاستجمار به كالعظم، وبين ما كان استعماله بصفةٍ عامّةٍ محرّماً كالمغصوب‏.‏ قالوا‏:‏ ولو استجمر بعد المحرّم بمباحٍ لم يجزئه ووجب الماء، وكذا لو استنجى بمائعٍ غير الماء‏.‏ وإن استجمر بغير منقٍّ كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنقٍّ‏.‏ وفي المغني‏:‏ يحتمل أن يجزئه الاستجمار بالطّاهر بعد الاستجمار بالنّجس، لأنّ هذه النّجاسة تابعةٌ لنجاسة المحلّ فزالت بزوالها‏.‏

كيفيّة الاستنجاء وآدابه

أوّلاً‏:‏ الاستنجاء بالشّمال‏:‏

30 - ورد في الحديث عند أصحاب الكتب السّتّة عن أبي قتادة قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا بال أحدكم فلا يمسّ ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسّح بيمينه»‏.‏ فقد نهى الرّسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين، وحمل الفقهاء هذا النّهي على الكراهة، وهي كراهة تحريمٍ عند الحنفيّة، كما استظهر ابن نجيمٍ‏.‏ وكلّ هذا في غير حالة الضّرورة أو الحاجة، للقاعدة المعروفة‏:‏ الضّرورات تبيح المحظورات‏.‏

فلو يسراه مقطوعةً أو شلاّء، أو بها جراحةٌ جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهةٍ‏.‏

هذا، ويجوز الاستعانة باليمين في صبّ الماء، وليس هذا استنجاءً باليمين، بل المقصود منه مجرّد إعانة اليسار، وهي المقصودة بالاستعمال‏.‏

ثانياً‏:‏ الاستتار عند الاستنجاء‏:‏

31 - الاستنجاء يقتضي كشف العورة، وكشفها أمام النّاس محرّمٌ في الاستنجاء وغيره، فلا يرتكب لإقامة سنّة الاستنجاء، ويحتال لإزالة النّجاسة من غير كشفٍ للعورة عند من يراه‏.‏ فإن لم يكن بحضرة النّاس، فعند الحنفيّة‏:‏ من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء والتّجفيف، لأنّ الكشف كان لضرورةٍ وقد زالت‏.‏

وعند الحنابلة في التّكشّف لغير حاجةٍ روايتان‏:‏ الكراهة، والحرمة‏.‏ وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبّاً على الأقلّ‏.‏

ثالثاً‏:‏ الانتقال عن موضع التّخلّي‏:‏

32 - إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته‏.‏ كذا عند الشّافعيّة والحنابلة - قال الشّافعيّة‏:‏ إذا كان استنجاؤه بالماء - بل ينتقل عنه، لئلاّ يعود الرّشاش إليه فينجّسه‏.‏ واستثنوا الأخلية المعدّة لذلك، فلا ينتقل فيها‏.‏

وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه، لئلاّ ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه الاستجمار‏.‏ أمّا عند الحنابلة، فينبغي أن يتحوّل من مكانه الّذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضاً، كما يتحوّل للاستنجاء بالماء، وهذا إن خشي التّلوّث‏.‏

رابعاً‏:‏ عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء‏:‏

33 - من آداب الاستنجاء عند الحنفيّة‏:‏ أن يجلس له إلى يمين القبلة، أو يسارها كي لا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة‏.‏ فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدبٍ، وهو مكروهٌ كراهة تنزيهٍ، كما في مدّ الرّجل إليها‏.‏ وقال ابن نجيمٍ‏:‏ اختلف الحنفيّة في ذلك، واختار التّمرتاشيّ أنّه لا يكره، وهذا بخلاف التّبوّل أو التّغوّط إليها فهو عندهم محرّمٌ‏.‏ وعند الشّافعيّة‏:‏ يجوز الاستنجاء مع الاتّجاه إلى القبلة من غير كراهةٍ، لأنّ النّهي ورد في استقبالها واستدبارها ببولٍ أو غائطٍ، وهذا لم يفعله‏.‏

خامساً‏:‏ الاستبراء‏:‏

34 - وهو طلب البراءة من خارجٍ، ويختلف بطباع النّاس، إلى أن يستيقن بزوال الأثر‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح ‏(‏استبراءٌ‏)‏‏.‏

سادساً‏:‏ الانتضاح وقطع الوسوسة‏:‏

35 - ذكر الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحبّ له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيءٍ من الماء، قطعاً للوسواس، حتّى إذا شكّ حمل البلل على ذلك النّضح، ما لم يتيقّن خلافه‏.‏ وهذا ذكره الحنفيّة أنّه يفعل ذلك إن كان الشّيطان يريبه كثيراً‏.‏ ومن ظنّ خروج شيءٍ بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبلٍ‏:‏ لا تلتفت حتّى تتيقّن، واله عنه فإنّه من الشّيطان، فإنّه يذهب إن شاء اللّه‏.‏